أوضح تحليل إكونوميك لينس الصادر عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية أن الانخفاض الشهري في المعروض النقدي الواسع بمصر خلال يونيو 2026 لا يعكس عاملًا واحدًا، بل نتج عن تداخل بين تشديد نقدي حقيقي وتأثير محاسبي مرتبط بارتفاع قيمة الجنيه المصري أمام العملات الأجنبية. ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة باعتباره أول انخفاض شهري في المعروض النقدي الواسع منذ ما يقرب من تسع سنوات، ما أثار تساؤلات بشأن طبيعة السيولة المحلية واتجاه السياسة النقدية المصرية.

ويستند التحليل إلى بيانات البنك المركزي المصري، التي أظهرت تراجع المعروض النقدي الواسع، بنسبة 0.4% خلال يونيو 2026، بعد مسار من النمو الشهري المتواصل منذ عام 2017. ويشرح المركز المصري للدراسات الاقتصادية أن المعروض النقدي الواسع يعد من أبرز المؤشرات المستخدمة لقياس مستويات السيولة في الاقتصاد، إذ يجمع بين النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي والودائع المصرفية بالعملة المحلية والأجنبية بعد تحويل قيمتها إلى الجنيه المصري.


ماذا يعني انخفاض المعروض النقدي الواسع في مصر؟


يشير المعروض النقدي الواسع إلى حجم الأموال المتاحة للأسر والشركات بغرض الإنفاق والاستثمار والادخار. ويرتبط هذا المؤشر بمجموعة من المتغيرات الاقتصادية الرئيسية، في مقدمتها التضخم ونمو الائتمان وأسعار الفائدة، إذ تؤثر التغيرات في مستويات السيولة على توافر الائتمان وتكاليف التمويل والطلب الكلي، ومن ثم على مسار التضخم وانتقال أثر السياسة النقدية إلى الاقتصاد.


وعادةً ما يميل المعروض النقدي الواسع إلى الارتفاع مع توسع النشاط الاقتصادي وتراكم الودائع ونمو الائتمان. ويصبح هذا الاتجاه أكثر وضوحًا في الاقتصادات التي تشهد معدلات تضخم مرتفعة، مثل الاقتصاد المصري، ولذلك أثار تسجيل انخفاض شهري في المعروض النقدي الواسع  خلال يونيو اهتمامًا واسعًا، خصوصًا مع كونه أول انكماش شهري لهذا المؤشر منذ نحو تسع سنوات.


وأظهرت بيانات البنك المركزي المصري انخفاض المعروض النقدي الواسع  بنسبة 0.4% في يونيو، بعدما حافظ المؤشر على نمو شهري متواصل منذ عام 2017. وقد يفسر البعض هذا التراجع باعتباره دليلًا مباشرًا على نجاح السياسة النقدية التقييدية في سحب السيولة الزائدة من السوق والحد من الضغوط التضخمية.


لكن تحليل مكونات المعروض النقدي يكشف صورة أكثر تعقيدًا. فقد واصلت الودائع بالعملة المحلية ارتفاعها، كما زادت الودائع بالعملات الأجنبية عند قياسها بالدولار الأمريكي، في حين انخفض حجم النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي. وفي الوقت نفسه، أدى ارتفاع قيمة الجنيه المصري إلى خفض القيمة المحسوبة بالجنيه للودائع المقومة بالعملات الأجنبية، وهو ما ضغط على إجمالي المعروض النقدي الواسع  رغم استمرار نمو القيمة الفعلية لتلك الودائع بالعملات الأجنبية.


ويعني ذلك أن الانخفاض المسجل في يونيو لا يعكس بالضرورة انكماشًا كاملًا في حجم الأموال الموجودة داخل الاقتصاد، بل يجمع بين تغير حقيقي في بعض مكونات السيولة وتأثير ناتج عن إعادة تقييم الودائع بالعملات الأجنبية وفقًا لسعر الصرف.


ارتفاع الجنيه يخفض قيمة الودائع الأجنبية ويضغط على المعروض النقدي الواسع 


تكشف بيانات يونيو عن الدور الأكبر الذي لعبته تحركات سعر الصرف في انخفاض المعروض النقدي الواسع. فقد ارتفعت الودائع بالعملة المحلية بنحو 179 مليار جنيه، لتصعد من 10.168 تريليون جنيه إلى 10.347 تريليون جنيه، وأسهمت بذلك في زيادة نمو المعروض النقدي الواسع  بنحو 1.17 نقطة مئوية.


كما ارتفعت الودائع بالعملات الأجنبية من 65.45 مليار دولار إلى 66.24 مليار دولار، أي بزيادة تقارب 0.8 مليار دولار، وأسهم نمو حجم هذه الودائع بنحو 0.27 نقطة مئوية في التغير الشهري للمعروض النقدي.


غير أن ارتفاع قيمة الجنيه أمام الدولار أحدث تأثيرًا معاكسًا. فقد انخفض سعر الصرف المستخدم في تحويل الودائع الأجنبية إلى الجنيه من 52.33 جنيه للدولار إلى 49.28 جنيه، ما أدى إلى خفض القيمة المحسوبة للودائع الأجنبية بنحو 202 مليار جنيه، وهو أكبر عامل منفرد ساهم في انخفاض المعروض النقدي الواسع  خلال الشهر.


وفي المقابل، انخفض النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي بنحو 88 مليار جنيه، من 1.737 تريليون جنيه إلى 1.649 تريليون جنيه. ويشير هذا التراجع إلى وجود تشديد حقيقي في أحد مكونات السيولة المحلية، وليس مجرد تغير محاسبي ناتج عن سعر الصرف.


وبجمع هذه العوامل، انخفض إجمالي المعروض النقدي الواسع بنحو 70 مليار جنيه، من 15.330 تريليون جنيه إلى 15.260 تريليون جنيه، وهو ما يعادل انخفاضًا شهريًا قدره 0.46% وفق التفصيل الوارد في تحليل المركز المصري للدراسات الاقتصادية.


وتوضح هذه الأرقام أن تأثير إعادة تقييم الودائع الأجنبية فاق تأثير التغيرات الأخرى. فقد أضاف نمو الودائع بالعملة المحلية والودائع الأجنبية دعمًا إلى السيولة، بينما سحب انخفاض النقد خارج البنوك وإعادة تقييم الودائع الأجنبية هذا الدعم، وكانت إعادة التقييم المرتبطة بسعر الصرف صاحبة النصيب الأكبر من الانخفاض النهائي.


ولا تعد هذه الظاهرة جديدة بالكامل بالنسبة إلى الاقتصاد المصري. فقد ظهرت تأثيرات مماثلة لإعادة تقييم الودائع الأجنبية عقب تعديلات كبيرة في سعر الصرف خلال أعوام 2016 و2022 و2024. لكن تلك الفترات شهدت تأثيرًا معاكسًا، إذ دفعت تغيرات سعر الصرف القيمة المقومة بالجنيه للودائع الأجنبية إلى الارتفاع، ومن ثم دعمت نمو المعروض النقدي بدلًا من خفضه.


ويختلف الوضع في يونيو 2026 لأن ارتفاع قيمة الجنيه دفع تأثير إعادة التقييم في الاتجاه المعاكس، فانخفضت القيمة المقومة بالجنيه للودائع الأجنبية، وظهر هذا الأثر بوضوح في بيانات المعروض النقدي الواسع .


ماذا يعني انخفاض السيولة بالنسبة إلى السياسة النقدية والاقتصاد المصري؟


يحذر تحليل المركز المصري للدراسات الاقتصادية من التعامل مع انخفاض المعروض النقدي الواسع باعتباره مجرد ظاهرة محاسبية. فالتراجع في النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي يشير إلى تشدد فعلي في السيولة المحلية خلال يونيو، حتى مع تفسير إعادة تقييم العملات الأجنبية للجزء الأكبر من الانخفاض في المعروض النقدي الواسع .


وتجمع قراءة بيانات يونيو، بالتالي، بين تأثيرات سعر الصرف والتغيرات النقدية الفعلية. ويجعل ذلك من الضروري التمييز بين الانخفاض الذي تسببه إعادة التقييم المحاسبي والانخفاض الناتج عن تغير حقيقي في مستويات السيولة، خصوصًا عند استخدام المعروض النقدي الواسع  لتقييم اتجاه السياسة النقدية.


ويبرز التحليل في الوقت نفسه تحولًا هيكليًا مهمًا في مكونات المعروض النقدي المصري، يتمثل في زيادة أهمية الودائع بالعملات الأجنبية داخل المعروض النقدي الواسع . وكلما ارتفعت حصة هذه الودائع من إجمالي المعروض النقدي، أصبح المؤشر أكثر حساسية لتحركات أسعار الصرف.


وقد يؤدي تغير سعر الصرف، بالتالي، إلى تحريك قيمة المعروض النقدي الواسع  بدرجة كبيرة حتى إذا واصلت الودائع المقومة بالعملات الأجنبية نموها من حيث الحجم الفعلي. وهذا يعني أن ارتفاع أو انخفاض المعروض النقدي الواسع قد يعكس في بعض الأحيان تأثيرات تقييم العملة بقدر ما يعكس تغيرات حقيقية في ظروف السيولة المحلية.


وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة عند تقييم فعالية السياسة النقدية. فإذا فسّر صانعو السياسة انخفاض المعروض النقدي الواسع  في يونيو باعتباره دليلًا كاملًا على تشديد السيولة، فقد يبالغون في تقدير قوة التشديد النقدي، لأن الجزء الأكبر من الانخفاض جاء نتيجة إعادة تقييم الودائع الأجنبية بعد ارتفاع قيمة الجنيه.


وفي المقابل، فإن تجاهل انخفاض النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي قد يؤدي إلى إغفال دليل مهم على تأثير السياسة النقدية التقييدية في السيولة المحلية. ولذلك تقتضي قراءة البيانات الفصل بين العاملين بدلًا من اختزال حركة المعروض النقدي الواسع  في تفسير واحد.


ويشير التحليل إلى أن البنك المركزي المصري لا يعتمد على المعروض النقدي الواسع وحده عند تقييم الأوضاع النقدية. بل يتبع إطارًا لاستهداف التضخم يأخذ في الاعتبار مجموعة واسعة من المؤشرات، تشمل تطورات التضخم وسعر الصرف والطلب المحلي وظروف الائتمان والمخاطر الخارجية، قبل اتخاذ قرارات بشأن أسعار الفائدة.


وتتطلب المرحلة المقبلة مراقبة حركة المعروض النقدي الواسع  عن كثب، خصوصًا مع تزايد وزن الودائع بالعملات الأجنبية داخل المعروض النقدي. فكلما زادت حصة هذه الودائع، ازدادت حساسية السيولة المقاسة لتحركات سعر الصرف، في حين تظل الودائع الأجنبية إلى حد كبير خارج نطاق السيطرة المباشرة للسياسة النقدية المحلية.


وقد تؤدي هذه الحساسية المتزايدة إلى جعل تحركات سعر الصرف عاملًا مؤثرًا بدرجة غير متناسبة في بيانات المعروض النقدي، ما قد يصعّب تقييم الأوضاع النقدية الحقيقية إذا لم تفرق القراءة الاقتصادية بين تأثيرات إعادة التقييم والتغيرات الفعلية في السيولة.


ويحذر المركز المصري للدراسات الاقتصادية من أن استمرار انخفاض السيولة قد ينعكس سلبًا على الاقتصاد، إذ يمكن أن يؤثر في الاستهلاك والاستثمار والنشاط الاقتصادي بصورة عامة. وفي الوقت نفسه، قد يساعد تباطؤ نمو السيولة على احتواء الضغوط التضخمية عبر الحد من نمو الطلب المحلي والائتمان.


وتكشف واقعة يونيو 2026، في جوهرها، أن قراءة المعروض النقدي الواسع في مصر تحتاج إلى قدر أكبر من التفصيل. فالأرقام الرئيسية وحدها لا تكفي لتحديد اتجاه السيولة أو قياس أثر السياسة النقدية، لأن تغيرات سعر الصرف أصبحت قادرة على إحداث تأثير ملموس في قيمة المعروض النقدي الواسع، حتى عندما تواصل بعض مكونات السيولة، وعلى رأسها الودائع بالعملات الأجنبية، النمو الفعلي.


ويؤكد تحليل إكونوميك لينس أن الانخفاض الشهري التاريخي في المعروض النقدي الواسع خلال يونيو لا يمثل ببساطة تحولًا مفاجئًا نحو انكماش نقدي شامل، وإنما يعكس تفاعلًا بين تشديد فعلي في بعض مكونات السيولة وتأثير قوي لإعادة تقييم الودائع الأجنبية نتيجة ارتفاع قيمة الجنيه.

 

ولذلك تظل مراقبة هذه المكونات بصورة منفصلة ضرورية لفهم حقيقة السيولة في الاقتصاد المصري وتقييم مسار السياسة النقدية وأسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.


https://eces.org.eg/en/the-story-behind-egypts-first-monthly-decline-in-broad-money/